أحمد بن علي الرازي

88

شرح بدء الأمالي

4 - باب هو الحىّ المدبّر كلّ أمر هو الحقّ المقدّر ذو الجلال واعلم أن الله تعالى حي وله حياة أزلية لا بروح وحركة « 1 » ، عالم بلا قلب وفكرة قادر بلا آلة ، بصير بلا حدقة ، سميع بلا أذن ، متكلم بلا لسان ، لا نفس يخرج منه ، ولا فناء يعرض لبقائه ، ولا زوال يدخل في حياته قوله تعالى : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة : 255 ] . وقوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ لأن وجود هذا العالم صنيعته ، أن لا يتصور إلا من حي ثبت أن له حياة ، وعلما ، وقدرة ، وإرادة ، وسمعا ، وبصرا ، وكلاما . إذ القول بعالم لا علم له ، وقادر لا قدرة له ، كالقول بمتحرك لا حركة له ، وساكن لا سكون له ، وأسود لا سواد له .

--> ( 1 ) اعلم أن هذه الألفاظ التي أوردها المؤلف في هذا الموضع وغيره كالروح والقلب والآلة والحدقة والأذن واللسان والحدود والغايات والأركان والأعضاء مما يليك في القراءة هي : اصطلاحات كلامية يجب الحذر منها عند قراءتها ، لأن للفرق منها إطلاقات وأقوال تختلف باختلافاتهم . قال الأذرعى في شرحه للطحاوية : وللناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال : فطائفة تنفيها ، وطائفة تثبتها ، وطائفة تفصل ، وهم المتبعون للسلف فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين ما أثبت بها فهو ثابت وما نفى بها فهو منفى ؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحاتهم فيها إجمال وإبهام كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية ، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي ، ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا وباطلا مخالفا لقول السلف ، ولما دل عليه الكتاب والميزان ، ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها ، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله ، نفيا ولا إثباتا ، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون . فالواجب أن نثبت في باب الصفات ما أثبته الله ورسوله ، وأن ننفى ما نفاه الله ورسوله ، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي ، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها - لاحظ - فإن كان معنى صحيحا قبل . ولكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة ، مع قرائن تبين المراد والحاجة مثل : أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب به ونحو ذلك . ا . ه . انظر : شرح العقيدة الإسلامية لعلي بن أبي العز الأذرعى ( 80 ، 84 ) .